فلك النذالة والجهل
24-شباط-2026


يروى أن رجلا جلس مدعوا في غرفة استقبال صديقه. وبينما خرج الداعي من الغرفة لاحظ المدعو وجود علبة ثقاب، وفتحها فإذا بها فارغة الا من دودة فمردها. وعاد الداعي فلطم رأسه وهو يرى العلبة مفتوحة والدودة ممرودة. تبين أن الداعي كان قد أنفق عاما في تدريب الدودة على القيام بحركات معينة وفقا لأصوات معينة. وهو دعا صديقه ليطلعه على ثمرة جهوده فإذا بالأخير يسحقها برمشة عين!
وحدث ما يشبه ذلك معي مرة. جلسنا أنا وصديق نخطط لوضع هيكل برنامج ثقافي تلفزيوني بضعة أيام. وسلكت الأمور ومشى البرنامج وطار. وكان للصديق الذي شاركني تصميم البرنامج باب من أبواب البرنامج نفسه يتحدث فيه خمس دقائق يقلب خلالها كل مرة فكرة من أفكاره النقدية.
وصديقي هذا هو الشاعر والناقد فوزي كريم. وأنا اعتبره رائد حساسية جديدة في الأدب العربي، كما اعتبر كنعان مكية رائد حساسية جديدة في الفكر السياسي العربي. ومركز هذه الحساسية هو النظر بالعين بدل الرؤية بالمشاهدة، العناية بالتجربة البشرية بدل الإحتفاء بالنظرية، ردم الهوة بين مملكة الألفاظ وبين الحياة، والتحرر من عبادة الأفكار ونقل الإهتمام الى الإنسان.
وليس صدفة أن يقارن مكية في كتابه (القسوة والصمت) بين نص نثري لميشيل عفلق عن الوطن وبين قصيدة لفوزي كريم في الموضوع نفسه. نص عفلق ”شحمة“ عاطفية من الغزل بوطن لا نعرفه، لأنه ليس من الواقع، بعيد عن الحقيقة. ونص صاحبنا كثافة من المعاني السود هي ما صاره وطن نعرفه بمجموع حواسنا. انه عراق البعث الذي كان عفلق نفسه طرفا ـ ولو بعيدا ـ في صنعه.
لا أتذكر من ”شحمة“ عفلق شيئا. ولكن القارئ العراقي اللبيب لايخفى عليه نوعها، خصوصا وهو يسلق بشعر شعبي عن الوطن من نفس النوع سنوات طويلة. لكنني أحفظ قصيدة فوزي منذ قرأتها قبل عشرين عاما حين أفزعتني بضراوة مواجهتها للوطن كما أصبح أو تجسد بالفعل والواقع:
”كل شراع
لم يعد إليك يا مخافر الحدود
لا باحثا سدى عن المعنى
ولكن هربا من المعاني السود
فهو شراعي“
المغنم الوحيد اذن من وطن عفلق ”الجميل“ هو الهروب للنجاة من هراوة أو ”منكنة“ معانيه القبيحة والكريهة. والقبض على المعنى في المنفى قد يكون عبثا أوسرابا لا جدوى منه، لكن أي بديل لهو أرحم من تلك القسوة التي حفر كنعان مكية في طبقاتها.
وهذه عينة من المفارقة بين ”الواقع والنظرية“، بين عناق الأفكار وبين حميمية العلاقة بالناس والأشياء، بين انطفاءة الشعور وبين يقظته. وبالعودة الى البرنامج والصديق فقد تركت مسؤوليتي في الفضائية التي تنتج ذلك البرنامج. وخلفني رجل كان أول ما فعله هو إلغاء دقائق صاحبنا الخمس في البرنامج. ولم يكن الرجل ليعرف من هو فوزي كريم، ولا كم تعب وتعبت في تدريب الدودة. فمردها ”بحيله“ ومشى. وعلى رأي ابن لنك:
يا فلكا دار بالنذالة والجهل
الى كم تدور يا خرف؟

10 فنادق فئة خمس نجوم تدخل الخدمة نهاية العام
29-نيسان-2026
العراق في مرتبة متأخرة عالمياً بحرية الإنترنت
29-نيسان-2026
منصة رقمية حديثة تدعم سياسات التشغيل سوق العمل
29-نيسان-2026
بين الربط الكهربائي وارتفاع أسعار الطاقة عالميا تمهيد لصيف ساخن على العراقيين
29-نيسان-2026
من «مرشح الظل» إلى رئيس وزراء مكلّف كيف صعد علي الزيدي إلى واجهة المشهد السياسي
29-نيسان-2026
السيول تكشف هشاشة إدارة المياه.. خسائر فادحة للمزارعين ومطالبات بتعويضات عاجلة
29-نيسان-2026
الحكومة متفائلة بانتعاش سوق العمل وأزمتا الغاز وهرمز تراكمان قرارات تسريح العاملين
29-نيسان-2026
البدراني يتفقد دار الأزياء ويؤكد دورها في حماية الهوية الحضارية
29-نيسان-2026
ريال مدريد يكشف طبيعة إصابة مبابي
29-نيسان-2026
جراحة عاجلة تهدد مشاركة مودريتش في المونديال الخامس
29-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech